الأحد, 13 سبتمبر 2026
اخر تحديث للموقع : منذ 7 ساعات
المشرف العام
شريف عبد الحميد
الأخبار

بيان استراتيجي| سقوط باب المندب في قبضة الحوثيين ليس انتصارًا لميليشيا... بل تحول خطير في ميزان الأمن الإقليمي والدولي

في العمق - يوسف شرف الدين | Sat, Sep 12, 2026 6:09 PM
الزيارات: 23
تلقّوا نشرتنا اليوميّة إلى بريدكم الإلكتروني

يتابع مركز الخليج للدراسات الإيرانية بقلق بالغ التطور الاستراتيجي الأخطر في البحر الأحمر، والمتمثل في تمكن ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران من بسط سيطرتها الفعلية على مناطق وجزر استراتيجية عند مضيق باب المندب، بعد سيطرتها على مدينة المخا وتقدمها نحو الجزر والممرات البحرية الحيوية. وتؤكد المعطيات المتاحة أن ما جرى ليس مجرد تقدم ميداني في الحرب اليمنية، وإنما إعادة رسم لخريطة القوة والسيطرة على أحد أهم الاختناقات البحرية في العالم.

إن مركز الخليج للدراسات الإيرانية يرى أن التعامل مع هذا التطور باعتباره حلقة جديدة في الصراع اليمني هو خطأ استراتيجي فادح. فما حدث في باب المندب يتجاوز اليمن، ويتصل مباشرة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس وأمن الخليج والطاقة والتجارة الدولية، ويفتح أمام إيران وحلفائها ورقة استراتيجية موازية لمضيق هرمز.

لقد سعت إيران طوال سنوات إلى بناء منظومة نفوذ تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، عبر شبكة من الوكلاء والميليشيات. واليوم، تبدو طهران أمام فرصة لإعادة إنتاج نموذج «هرمز» في «باب المندب»: مضيقان استراتيجيان، وقوتان تابعتان لها، وتهديد واحد للملاحة الدولية، وسلاح جيوسياسي يمكن استخدامه في أي مواجهة إقليمية أو دولية مقبلة. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن الدعم الإيراني، بما فيه السلاح والمشورة والتوجيه العملياتي، لعب دورًا في التقدم الحوثي على الساحل الغربي اليمني.

من تواطأ؟ ومن خان؟ ومن سهّل؟

إن مركز الخليج للدراسات الإيرانية لا يوجه اتهامًا جزافيًا إلى أي طرف، لكنه يطرح أسئلة لا يمكن تجاوزها أو دفنها تحت ركام البيانات السياسية:

كيف تمكنت ميليشيا مسلحة من الوصول إلى هذا الموقع الاستراتيجي والسيطرة على الجزر والمناطق المشرفة على باب المندب؟

من فتح الطريق أمامها؟

من انسحب؟

من أصدر الأوامر؟

ومن كان يعلم بما يجري ولم يتحرك؟

ومن سهّل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، انتقال باب المندب من منطقة نفوذ الدولة اليمنية والقوى الدولية المعنية بأمن الملاحة إلى منطقة نفوذ ميليشيا مرتبطة بالمشروع الإيراني؟

إن سقوط باب المندب بهذه الصورة يفرض فتح تحقيق سياسي وعسكري واستخباراتي شامل في سلسلة القرارات التي سبقت الانهيار، وفي أداء القوات والقوى المحلية والإقليمية والدولية التي كان يفترض بها منع وصول الحوثيين إلى هذه النقطة الاستراتيجية.

وأين الولايات المتحدة مما جرى؟

والسؤال الأكثر إلحاحًا يتصل بالولايات المتحدة.

أين كانت واشنطن؟

وكيف تمكن الحوثيون من تحقيق هذا التحول الاستراتيجي في منطقة تعدها الولايات المتحدة جزءًا أساسيًا من منظومة أمن الملاحة الدولية؟

لقد تحدثت التقارير عن تقديم واشنطن دعمًا استخباراتيًا، في الوقت الذي امتنعت فيه عن التدخل العسكري المباشر لوقف التقدم الحوثي، بينما كانت السعودية تواجه تصعيدًا حوثيًا متزامنًا وتطلب دعمًا أكبر.

ومن هنا، فإن السؤال المشروع ليس فقط: لماذا لم تتدخل الولايات المتحدة؟

بل:

هل كان عدم التدخل قرارًا تكتيكيًا مؤقتًا، أم جزءًا من إعادة تعريف أمريكية لخريطة الأولويات في الشرق الأوسط؟

وهل رأت واشنطن في ترك الحوثيين يتقدمون ورقة يمكن استخدامها في إدارة الصراع مع إيران، أم أن الأمر يعكس عجزًا في تقدير حجم الخطر؟

وهل كان هناك تفاهم أمريكي غير معلن على حدود معينة للتحرك الحوثي، أم أن ما حدث هو نتيجة مباشرة لفشل الردع الأمريكي والدولي؟

إن المركز يؤكد أن الأسئلة ليست اتهامات، لكنها أسئلة استراتيجية مشروعة، ولا سيما أن النتيجة النهائية تصب في صالح إيران وتمنح أحد وكلائها أخطر موقع جيوسياسي على مدخل البحر الأحمر.

إيران لا تبحث عن باب المندب لليمن

إن قراءة التطور من منظور إيراني تكشف أن الهدف يتجاوز السيطرة على قطعة من الجغرافيا اليمنية.

باب المندب بالنسبة إلى إيران ليس هدفًا يمنيًا؛ إنه ورقة دولية.

فامتلاك القدرة على تهديد المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يمنح طهران وحليفها الحوثي قدرة على التأثير في خطوط التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، ويضاعف الضغط على قناة السويس، ويرفع كلفة النقل والتأمين، ويمنح إيران قدرة إضافية على المناورة في أي مواجهة مقبلة.

وبذلك يصبح المشهد أكثر خطورة:

هرمز في الشرق، وباب المندب في الجنوب، والبحر الأحمر بينهما.

وهذه ليست مصادفة جغرافية، بل معادلة أمنية جديدة يجب على دول المنطقة والعالم التعامل معها باعتبارها تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد.

وقد انعكس التصعيد بالفعل على حركة الملاحة وأسواق الطاقة، في وقت تشير فيه تقارير حديثة إلى تراجع حركة الشحن في البحر الأحمر وارتفاع المخاطر المرتبطة بالطاقة والنقل.

لا يجوز السماح بتحويل باب المندب إلى «هرمز ثانٍ»

يحذر مركز الخليج للدراسات الإيرانية من أن ترك الوضع الجديد دون ردع سيؤدي إلى تكريس سابقة خطيرة: أن تتمكن ميليشيا مرتبطة بدولة إقليمية من فرض أمر واقع على أحد أهم الممرات البحرية الدولية، ثم يتحول الأمر الواقع بمرور الوقت إلى واقع سياسي وأمني دائم.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس عملية عسكرية عابرة تنتهي بانسحاب الحوثيين من موقع ثم عودتهم إليه لاحقًا.

المطلوب هو إعادة بناء منظومة الأمن البحري في البحر الأحمر وباب المندب على أسس جديدة، تتولى فيها دول المنطقة، وفي مقدمتها الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، مسؤولية أكبر عن أمنها الاستراتيجي، بالتنسيق مع القوى الدولية المعنية بحرية الملاحة.

كما أن أمن باب المندب لا يمكن فصله عن أمن خليج عدن والبحر الأحمر وقناة السويس والخليج العربي ومضيق هرمز؛ فهذه الممرات تشكل منظومة استراتيجية واحدة، وأي خلل في أحدها ينتقل أثره إلى البقية.

المعركة المقبلة ليست على مدينة… بل على النظام الإقليمي

يرى المركز أن التطور الحالي قد يكون بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، تنتقل فيها إيران من استخدام وكلائها كأدوات ضغط محدودة إلى توظيفهم في إعادة هندسة الممرات الاستراتيجية نفسها.

وإذا لم تتم مواجهة هذا التحول، فإن السنوات المقبلة قد تشهد انتقال المنطقة من مرحلة التهديد المتقطع للملاحة إلى مرحلة امتلاك القدرة الدائمة على التحكم في الممرات البحرية.

وهنا تكمن خطورة ما حدث في باب المندب.

فالقضية لم تعد: من يسيطر على المخا أو ميون؟

بل أصبحت:

من يملك قرار فتح وإغلاق أحد أهم أبواب العالم؟

ومن يملك القدرة على تهديد التجارة والطاقة الدولية؟

ومن يحدد مستقبل الأمن في البحر الأحمر؟

رسالة إلى الولايات المتحدة والدول الغربية

إن كان أمن الملاحة الدولية مبدأً لا يقبل التجزئة، فإن ترك باب المندب تحت سيطرة ميليشيا مسلحة يمثل اختبارًا حقيقيًا لمصداقية النظام الدولي.

أما إذا كان بعض الأطراف الدولية يتعامل مع باب المندب باعتباره ورقة تفاوضية في صراع أكبر مع إيران، فعليها أن تدرك أن الأوراق التي تُترك في أيدي الميليشيات قد تتحول سريعًا إلى حقائق استراتيجية يصعب استردادها.

ولا ينبغي لواشنطن أن تكتشف غدًا أن السياسة التي هدفت إلى تجنب كلفة المواجهة اليوم قد أنتجت كلفة أكبر بكثير في المستقبل.

موقف مركز الخليج للدراسات الإيرانية

يدعو المركز إلى:

فتح تحقيق مستقل وشامل في كيفية وصول الحوثيين إلى السيطرة الفعلية على مناطق وجزر باب المندب، وتحديد المسؤوليات العسكرية والسياسية عن الانهيار.

كشف طبيعة الدعم الإيراني الذي مكّن الحوثيين من تحقيق هذا التحول الاستراتيجي.

مطالبة الولايات المتحدة بتوضيح سياستها تجاه أمن باب المندب، وحقيقة ما قدمته من دعم استخباراتي، وأسباب إحجامها عن التدخل لمنع هذا التحول.

إنشاء منظومة عربية وإقليمية دائمة لأمن البحر الأحمر وباب المندب، بدل ترك أمن المنطقة رهينة لتحولات السياسة الدولية.

التعامل مع باب المندب باعتباره جزءًا من منظومة أمنية واحدة تشمل البحر الأحمر وخليج عدن وقناة السويس والخليج العربي ومضيق هرمز.

منع تحويل الميليشيات المسلحة إلى أدوات معترف بها بحكم الأمر الواقع في إدارة الممرات الدولية.

بناء استراتيجية طويلة الأمد لتحييد المشروع الإيراني القائم على تطويق الممرات البحرية العربية والدولية بواسطة الوكلاء.

إن ما جرى في باب المندب ليس نهاية المعركة، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة في الصراع على أمن المنطقة.

ومن يعتقد أن الحوثيين سيكتفون بما حققوه، أو أن إيران ستتعامل مع باب المندب باعتباره مكسبًا يمنيًا محدودًا، فإنه لا يقرأ المشروع الإيراني في سياقه الاستراتيجي الأوسع.

فمن يسيطر على باب المندب لا يملك مفتاح اليمن وحده؛ بل يضع يده على أحد مفاتيح النظام الاقتصادي والأمني العالمي.

والتاريخ لا يرحم الذين رأوا الخطر يتقدم خطوة بعد أخرى، ثم اكتشفوا بعد فوات الأوان أنهم لم يخسروا معركة عسكرية، بل خسروا موقعًا استراتيجيًا لا يمكن تعويضه بسهولة.

 

مركز الخليج للدراسات الإيرانية

 

لندن – القاهرة

12 سبتمبر/أيلول 2026

تعليقات

أراء وأقوال

اشترك في النشرة البريدية لمجلة إيران بوست

بالتسجيل في هذا البريد الإلكتروني، أنتم توافقون على شروط استخدام الموقع. يمكنكم مغادرة قائمة المراسلات في أي وقت