الجمعة, 08 مايو 2026
اخر تحديث للموقع : منذ 12 ساعة
المشرف العام
شريف عبد الحميد

تطورات الأوضاع السّياسيّة والأمنيّة تضع المنطقة على صفيحٍ ساخن

آراء وأقوال - د. ليلى موسى | Fri, May 8, 2026 2:04 AM
الزيارات: 23
تلقّوا نشرتنا اليوميّة إلى بريدكم الإلكتروني

إنّ ما تشهده الساحة الدولية اليوم من تطورات دراماتيكية، ليس مجرّد تصاعدٍ لأحداثٍ متفرّقة، بل يمثّل إعادة تشكيلٍ تدريجية لموازين القوى. خلال الشهرين الأخيرين تداخلت مسارات الحرب في أوروبا مع صراع النفوذ في الشرق الأوسط، وتقاطعت الرسائل النووية الروسية مع الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضدَّ إيران، بينما بقيت سوريا في قلب هذا الاشتباك الجيوسياسي، تتأثر بكلِّ ارتدادةٍ خارج حدودها.

دوليًا: الحرب بين روسيا وأوكرانيا دخلت مرحلةً أكثر حساسية، فموسكو لوّحت مؤخرًا بإمكانية استخدام السلاح النووي التكتيكي، إذا ما جرى تزويد كييف بأصول أو قدرات تُعدّ ذات طابعٍ نووي أو استراتيجي يمسّ العمق الروسي. التصريحات الروسية لم تقتصر على كييف، بل حملت تحذيراتٍ ضمنية إلى عواصم أوروبية، أبرزها باريس ولندن، في حال تجاوز الدعم الغربي سقفًا معينًا من التسليح النوعي.

هذه اللغة التصعيدية لا تعني أنّ موسكو على وشك استخدام السلاح النووي فعليًا، لكنّها تعكس انتقال الصراع من حرب ميدانية إلى حرب ردعٍ نفسي – استراتيجي. الهدف الروسي هنا واضح، وهو رفع كلفة الانخراط الغربي، وفرض معادلةٍ مفادها أنّ أمن روسيا الاستراتيجي غير قابل للمساومة.

في موازاة ذلك، تصاعدت حدّة التوتر بين الولايات المتّحدة وإسرائيل وإيران، وصولًا إلى مرحلة اندلاع الحرب، في الثامن والعشرين من فبراير، ولا زالت واشنطن وتل أبيب تمارسان سياسة الضغط المركّز عبر الضربات الجوية والعقوبات واستهداف شبكات النفوذ غير المباشر، فيما تحاول طهران بدورها رفع كلفة الحرب عبر استهداف دول الخليج والأردن، واعتماد سياسة توزيع الضغط عبر ساحاتٍ متعددة، من العراق (الحشد الشعبي) إلى لبنان (حزب الله) إلى اليمن (الحوثيون) وهذا النّمط من الاشتباك يجعل المنطقة تعيش حالة توترٍ دائمٍ، قابل للاشتعال في مناطق أخرى في أيِّ لحظة.

وأظهرت الحرب أنّ هناك تباينًا في الموقفين الأمريكي والأوروبي منها، وقد انعكس هذا الاختلاف بشكلٍ واضحٍ في ملف أمن الطاقة والممرات البحرية، حيث شكّل إغلاق مضيق هرمز اختبارًا حقيقيًا للعلاقة بين الجانبين، حيث رفضت دول أوروبية رئيسية الانخراط عسكريًا في تأمين الملاحة، مفضّلةً تجنب الانزلاق إلى مواجهةٍ مفتوحةٍ مع إيران.

إقليميًا: خلال الشهر الماضي، أعاد طرح اسم نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية بترشيحٍ من الكتلة الأكبر في البرلمان (الإطار التنسيقي) إلى الواجهة احتمالات التوتر بين بغداد وواشنطن، خصوصًا في ضوء التهديد الأميركي الواضح بعدم التعاون مع العراق في حال تولي المالكي رئاسة الحكومة.

وتنظر بعض الدوائر الأمريكية إلى العراق ليس بوصفه ساحةً مستقلة عن سوريا، بل باعتباره الامتداد الجغرافي – اللوجستي الأهم لإيران باتجاه المتوسط، وهو الأمر الذي تأكد خلال الحرب على إيران، إذ وجّهت التنظيمات العراقية الموالية لطهران ضرباتٍ لأهداف أمريكية وحيوية في عددٍ من دول المنطقة. لذلك؛ فإنّ أي تصعيدٍ سياسي أو أمني في بغداد سينعكس مباشرةً على خطوط الإمداد داخل الأراضي السورية، وإذا اشتد الخلاف، قد نشهد تصعيدًا أميركيًا على طول الممر البرّي الإيراني، أو ضغوطًا مالية – سياسية على الحكومة العراقية، ما يفتح الباب أمام ارتباكٍ أمني تستفيد منه خلايا تنظيم مرتزقة داعش الإرهابية.

خلال ذات الفترة تصاعد الانقسام اللبناني حول سلاح حزب الله، سياسيًا وإعلاميًا، وأصبح في بعض صوره ليس خلافًا داخليًا، بل هو انعكاسٌ مباشر للصراع الإيراني – الأميركي، وهو الأمر الذي تُرجم على أرض الواقع مع دخول حزب الله الحرب لصالح إيران. في حال تحوّل الأمر في لبنان إلى أزمة سياسية مفتوحة، فإنّ ارتداداتها ستصل إلى سوريا، سواء عبر الحدود أو عبر معادلة الردع القائمة مع إسرائيل التي تواصل استهداف مواقع الحزب بصورةٍ شبه يومية .

لذلك؛ فإنّه مع دخول الحزب إلى الحرب دعمًا لإيران، والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على بيروت والجنوب اللبناني، تصبح المواجهة الشاملة مع الحزب تحصيل حاصل في مقبل الأيام. الفترة التي سبقت اندلاع الحرب شهدت تطوراتٍ لافته وأثارت التصريحات المنسوبة إلى السفير الأميركي في إسرائيل بشأن أحقيّة إسرائيل في توسيع سيطرتها الجغرافية والسيطرة على أراضي جديدة من الدول المجاورة، جدلًا واسعًا وردود فعلٍ كبيرة . رغم أنّ هذه التصريحات لا  تعكس سياسة رسميّة أمريكية مكتملة حيال هذا الطرح، إلا أنّها تعبر عن تيارٍ يدفع باتجاه توسيع هامش الحركة الإسرائيلية.

حول الخلاف الحدودي بين العراق والكويت الذي جرى خلال ذات الفترة، فقد اتسمت ردود الفعل بالحذر، فالكويت لجأت إلى القنوات الدبلوماسية وأكّدت تمسكها بالشرعية الدولية، مع دعمٍ خليجي وعربي واضح لموقفها.

أمّا في العراق، فقد انقسم المشهد بين تياراتٍ تدعو لاحتواء الأزمة وتجنّب تدويلٍ جديد، وأخرى ترى في التصعيد ورقة ضغطٍ داخلية، وإقليميًا حرصت عواصم عربية على منع انزلاق الخلاف إلى مواجهة سياسية أوسع، إدراكًا لحساسية التوقيت. هذا الخلاف في حينه طرح أسئلة مفادها هل هو مرتبط بالموقف الأمريكي – العربي من إيران؟

بصورةٍ مباشرة، لا يبدو أنّ واشنطن دفعت نحو تفجير الملف، لكن بصورةٍ غير مباشرة، لا يمكن فصل التوتر عن البيئة الإقليمية المشحونة، فالعراق ساحة توازنٍ دقيق بين النفوذ الأمريكي والإيراني، وأيُّ احتكاكٍ مع دولةٍ خليجية يُقرأ ضمن هذا السياق. أمّا الكويت، المتحالفة استراتيجيًا مع الولايات المتّحدة ومنظومة مجلس التعاون، فإنّها تتحرك ضمن رؤيةٍ أمنية ترى في استقرار الحدود جزءًا من منظومة ردع أوسع تجاه إيران. في المقابل، فإنّ بعض القوى العراقية القريبة من طهران قد تجد في إثارة الملف في مرحلةٍ ما وسيلةً لإعادة تموضعٍ سياسي أو للضغط في ملفات أخرى.

مستقبلًا؛ الاحتمال الأرجح هو الاحتواء عبر التفاوض الفني أو عبر تفسيرٍ قانوني يتيح إعادة إقرار الاتفاق بصيغةٍ دستورية داخل العراق، من دون المساس بجوهر الترسيم الدولي. ولذلك فإنَّ سيناريو التصعيد الشامل ضعيف، لأنّ كلفته عالية على الطرفين، ولأنّ البيئة الإقليمية لا تحتمل أزمةً جديدة في الخليج. مع ذلك فإنّ بقاء الملف ورقةً قابلة للاستخدام السياسي سيجعل العلاقة العراقية – الكويتية عرضةً لتوتراتٍ دورية كلما اشتدت التجاذبات الداخلية أو الإقليمية.

بعد بدء الحرب، برزت نقطةٌ بالغة الأهمية تتعلق بدول الخليج، حيث أظهرت هذه الحرب حدود فعالية المظلّة الأمنية الأمريكية. فعلى الرغم من الوجود العسكري الأمريكي الكثيف، لم تتمكن واشنطن من منع وصول التهديدات إلى العمق الخليجي، وهو ما خلق حالةً من القلق الاستراتيجي لدى هذه الدول، وأعاد فتح النقاش حول جدوى الاعتماد الأحادي على الحماية الأمريكية.

هذا التطور لا يعني بالضرورة انهيار التحالف مع واشنطن، لكنّه يشير إلى بداية مرحلة مراجعة، قد تدفع دول الخليج نحو تنويع شراكاتها الأمنية، سواء عبر بناء قدراتٍ ذاتية أكبر، أو عبر الانفتاح على ترتيباتٍ أمنية متعددة الأطراف.

في موازاة ذلك، بدأ الحديث يتصاعد عن إمكانية تشكيل تحالفات إقليمية ذات طابع عربي – إسلامي، تضم دولًا مثل تركيا وباكستان والسعودية ومصر. هذه الفكرة وإن لم تتبلور بعد بشكلٍ مؤسسي، لكنّها تعكس إدراكًا متزايدًا لدى بعض الدول بضرورة إيجاد أُطر تعاون جديدة خارج المظلة الغربية التقليدية.

سوريا: الاتفاق بين الحكومة المؤقّتة وقوات سوريا الديمقراطية جاء نتيجة قراءة مشتركة لمعادلة متغيرة، فقسد تدرك أنّ الواقع الحالي يستبعد الوصول إلى حلول كنتيجة مباشرة لحوار سوري – سوري وذلك نتيجة للتدخلات الخارجية، ودمشق تدرك أنّ استعادة الارض من قسد بالقوة، هو أمرٌ مكلف سياسيًا وعسكريًا.

خلال الأسابيع الأخيرة، وبعد تسليم قوات قسد للسجون إلى الحكومة المؤقّتة عاد ملف “داعش” إلى الواجهة، فمرتزقة داعش تستفيد من مناطق الفراغ والتوتر، خصوصًا في البادية وشرق الفرات. إنّ أي خلل في التنسيق بين دمشق وقسد أو أي انسحاب أميركي متسرّع، قد يعيد إنتاج دورة عنف ٍجديدة، والمخاوف لا تتعلق بعودة داعش فذلك أمرٌ صعب بل بتحول التنظيم إلى عامل فوضى دائم يمنع الاستقرار السياسي.

إنّ الحديث المتزايد عن عودة نشاط “داعش” ليس مصادفةً، فمرتزقة داعش تستفيد من الانشغال الدولي بأزماتٍ أخرى، ومن أجواء الحرب الأميركية – الإيرانية، ومن أيّة هشاشة التنسيق تحصل بين دمشق وقسد. كما أنّ داعش يراهن على عامل الزمن، وعلى تراجع أولوية ملف مكافحة الإرهاب في الأجندة الدولية، مستغلًا التحولات الجيوسياسية التي تدفع القوى الكبرى لإعادة ترتيب أولوياتها.

الاحتمال الأخطر يتمثّل في تحوّل الشرق السوري إلى ساحة صراع منخفض الحدّة طويل الأمد، حيث تتداخل خلايا داعش مع صراعات القوى الكبرى. هذا النمط من الصراع لا يتخذ شكل المواجهات المفتوحة، بل يعتمد على عملياتٍ متفرّقة، واستنزافٍ تدريجي يطيل أمد عدم الاستقرار ويجعل من الصعب تحقيق أي تقدم سياسي حقيقي. كما أنّ هذا الواقع يخلق بيئةً طاردة للاستثمار وإعادة الإعمار، ويعمّق من معاناة السكان المحليين الذين يجدون أنفسهم عالقين بين أطراف متعددة.

إنّ الانسحاب الأميركي المتسرّع من شرق الفرات دون ترتيباتٍ انتقالية واضحة، فتح الباب أمام عودة نشطة لداعش. فغياب الضمانات الأمنية، وعدم وجود بدائل جاهزة لملء الفراغ، يخلق بيئة لعودة داعش، ليس كقوة مسيطرة، بل كفاعلٍ قادر على التخريب وإرباك المشهد. كما أنّ هذا الانسحاب قد يؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية، ما يزيد من تعقيد المشهد ويمنح داعش هامش حركة أوسع.

الخلاصة: الملف السوري لم يعد مجرّد أزمةٍ داخلية، بل أصبح عقدة ربطٍ إقليمية – دولية، فكل تطور في بغداد أو بيروت أو طهران أو واشنطن ينعكس مباشرة على سوريا بشكل مباشر أو غير مباشر. الاتفاق بين الحكومة المؤقتة وقسد يشكل فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، لكنّه يبقى هشًا ما لم يُدعّم بضمانات إقليمية ودولية واضحة وثقة وإيمان وإدارة متبادلة بين الطرفين .

إنّ المشهد العام لغاية الآن، يشير إلى مرحلة إدارة صراع لا  حسم صراع، فالقوى الكبرى لا تريد حربًا نهائية، لكنّها أيضًا لا تسمح بانتصار كامل لخصمها، وفي هذا التوازن الدقيق تبقى سوريا ساحة اختبار لإرادات الآخرين، ومحورًا لتوازنات لم تستقر بعد، وهو الأمر الذي بدأنا نلمسه في انتهاك الأجواء السورية من قبل عدّة أطراف، وفي الهجمات التي شنّها الحشد الشعبي ضدّ مواقع في سوريا، وفي حالة التوتر التي تشهدها منطقة الحدود اللبنانية – السورية، خشية من تطورات الأوضاع ودخول دمشق في مواجهة مباشرة مع حزب الله.

نحن أمام مرحلة إدارة اشتباك عالمي يتفرع إلى ساحات إقليمية، فالحرب في أوكرانيا ترفع منسوب التوتر النووي، والحرب الأميركي – الإسرائيلية ضد إيران، مدّت خطوط الصراع إلى دول الخليج والأردن والعراق وسوريا ولبنان.

في وسط هذا المشهد؛ تقف سوريا كجغرافيا تقاطع مصالح فالاتفاق بين دمشق وقسد يمثّل فرصةً لالتقاط الأنفاس، لكنّه هشّ ومرتبط بحسابات أكبر من الطرفين. حتى الآن كلُّ المؤشّرات ترجّح بقاء المنطقة في حالة توترٍ مستمر دون سلامٍ مستقر، أي أنّها مرحلة يتم فيها إدارة الأزمات وليس حلها، وهو الأمر الذي يفرض على الجميع إبقاء جميع الأبواب مفتوحة، لأنّ كلَّ الخيارات والاحتمالات واردة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية - القاهرة

تعليقات

أراء وأقوال

اشترك في النشرة البريدية لمجلة إيران بوست

بالتسجيل في هذا البريد الإلكتروني، أنتم توافقون على شروط استخدام الموقع. يمكنكم مغادرة قائمة المراسلات في أي وقت